السيد حيدر الآملي
332
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّه ُ طَغى [ سورة طه : 24 ] . ويشير إلى أنّ قلبه هو المراد بفرعون كما يستعمله بعض الوعّاظ تحسينا للكلام وترغيبا للمستمع وهو ممنوع . الثاني ، أن يتسرّع إلى تفسير القرآن بظاهر العربيّة من غير استظهار بالسّماع والنقل فيما يتعلَّق بغرائب القرآن وما فيها من الألفاظ المبهمة وما يتعلَّق به من الاختصار والحذف والإضمار والتقديم والتأخير والمجاز ، فمن لم يحكم ظاهر التفسير وبادر إلى استنباط المعاني بمجرّد فهم العربيّة كثر غلطه ودخل في زمرة من يفسّر بالرأي ، مثاله قوله تعالى : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها [ سورة الإسراء : 59 ] . فالناظر إلى ظاهر العربيّة ربّما يظنّ أنّ المراد أنّ الناقة كانت مبصرة ولم تكن عمياء ، والمعنى : آية مبصرة ، ثمّ لا يدري أنّهم إذا ظلموا غيرهم ، ومن ذلك المنقول المنقلب كقوله تعالى : وَطُورِ سِينِينَ [ سورة التين : 2 ] . أي وطور سينا ، وكذلك باقي أجزاء البلاغة ، فكلّ مكتف في التفسير بظاهر العربيّة من غير استظهار بالنقل فهو مفسّر برأيه ، فهذا هو المنهيّ عنه دون التفهّم لأسرار المعاني ، وظاهر أنّ النقل لا يكفي فيه ، وإنّما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر صفاء عقولهم ، وشدّة استعدادهم له وللطلب والفحص والتفهّم وملاحظة الأسرار والعبر ويكون لكلّ واحد منهم جدّ في الترقي إلى درجة منه بعد الاشتراك في الظَّاهر ، ومثاله ما فهم بعض العارفين من قوله صلَّى اللَّه عليه وآله في سجوده : أعوذ بعفوك من عقابك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، ( وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ) ، وأعوذ بك من منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ( 143 ) .
--> ( 143 ) قوله : أعوذ بعفوك من عقابك . راجع في هذا تعليقتنا الرقم 52 في الجزء الأوّل ص 281 ، وروى الكافي ج 3 ، ص 324 ، الحديث 12 بإسناده عن الإمام الباقر أبي جعفر عليه السّلام قال : كان رسول اللَّه ( ص ) عند عائشة ذات ليلة فقام يتنفّل فاستيقظت عائشة فضربت بيدها فلم تجده فظنّت أنّه قد قام إلى جاريتها فقامت تطوف عليه فوطئت عنقه ( ص ) وهو ساجد باك يقول : سجد لك سوادي وخيالي ، وآمن بك فؤادي ، أبوء إليك بالنعم ، واعترف لك بالذنب العظيم ، عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذنب إلَّا أنت ، أعوذ بعفوك من عقوبتك ، وأعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ برحمتك من نقمتك ، وأعوذ بك منك لا أبلغ مدحك والثناء عليك ، أنت كما أثنيت على نفسك ، أستغفرك وأتوب إليك . وقريب منه رواه ابن ماجة في سننه ج 2 ، ص 1262 ، الحديث 3841 . وراجع أمالي الطوسي ص 158 ، ج 1 ، وانظر تعليقتنا الرقم 27 أيضا .